جلد الذات ومحاسبة النفس

*الصورة في المقدمة مقتبسة من الانستقرام carloscred

من الأمور التي يسعى لها الانسان في معترك حياته هي المثالية والتكامل، متناسين أن الكمال لله سبحانه وتعالى فقط ، فمهما بلغ الانسان من جهد ورُقي في حياته لن يبلغ الكمال المنشود .

سعيك للكمال هو أمر غير صحي ،بلوغ الكمال لن يتحقق ،فنحن بشر معرضون للخطأ والصواب ولسنا ملائكة !فهل من الضروري  أن نسعى إلى الكمال في امور حياتنا ؟ماذا لو قصرنا في بعض الأعمال؟ ماذا لو أخطأنا ،ماذا لو شملتنا الأخطاء البشرية ،؟هل سَتُنفى تلك المثالية عنا ؟

أمور تشغل حيزاً كبيراً في أدمغتنا ، حتى أصبح العقل يعاني من تخمة التأنيب المستمر وتحميله ما ليس له طاقة فيه.

الذات الانسانية طاقة روحية تحتاج إلى فرح دائم ، إلى متنفس ،إلى احتواء ، إلى فهم ،وممارسة النقد السلبي عليها يُضعفها حد الهشاشة ،حتى تنسلخ تلك الذات من شدة الألم وتصبح ضعيفة غير قادرة على مواجهة المجتمع ، تصاب بالعلل والحزن والكمد .

البعض يسعى للمثالية حتى مع نفسه فيدخل في زنزانة النفس ويصبح هو الجلاد والسجان في آن واحد !

الدين الاسلامي ينصحنا بمحاسبة النفس يومياً لمدة ساعة ،محاسبة بتمرس واتقان عقلي،يقوم على التفكير العقلاني لحاسبة النفس حول تقصيرها ، من أجل تلافي ذلك القصور  وتصحيحه  كُل ذلك يمكن أن يُعالج بعد وقفة مع النفس .

البعض يحاسب نفسه طوال يومه حول سلوكياته الصادرة منها بدون قصد أو عن قصد ،يؤنب ذاته ، ينتقدها ، يستصغرها ،فالنفس لا تقوى على كُل تلك الإهانات الصادرة منا .

الإنسان طاقة إذا استنفذت تلك الطاقة أصيب النفس بالمرض ! طاقة الإنسان تتغذى على الأفكار الإيجابية التي تصدر من النفس ،وتتغذى بالسم من خلال الأفكار السلبية لتُصاب بالفتور إوالوهن! طاقة الإنسان بحاجة إلى شحن يومي، تماماً كأي جهاز يعمل على الطاقة ،إذا استنفذت طاقته يحتاج إلى شحن حتى يستمر بالعمل .

استغلال الطاقة الايجابية بذواتنا يعود علينا بالفائدة الكبرى حتى نستطيع مواصلة حياتنا بكل حرية وبدون قيود نفسية أو اجتماعية تصادر حريتنا.،والعمل اليومي على تلك الطاقة مهم للغاية،فقط يحتاج إلى بعض التكنيك البسيط لتنظيم أفكارنا وتوجيهها نحو الاتجاه السليم 

الإنسان يجب أن يكون تفكيره منطقياً ،ايجابياً في الحياة ،بعيد عن البؤس والحزن ،وعليه أن يستفيد من كل الماضي لا أن يقف فوق الأطلال ينتحب الذكريات السيئة ، والأخطاء المُعيبة التي صدرت منه أو حدثت له ،النفس الإنسانية ليست معصومة عن فعل الخطأ، لكن الخطأ أن نعيش مع ذلك الخطأ ونظل نجلد ذواتنا عليه !هل يُعالج الداء بالداء!؟

أحد هم طرحت مشكلتها لي حول كيفية تحويل تلك الذكريات السيئة إلى ذكريات إيجابية في حياتنا ؟

الذكريات السيئة سواء كانت من صنعنا أو من صنع من حولنا لا يجب أن نحملها معنا داخل ذواتنا وعقولنا لتُصبح كومة مُكدسة عالقة في النفس والذاكرة تثقل متنفسنا وتشغل تفكيرنا ,الذكريات السيئة كانت في الماضي والماضي لن يعود مهما جلدنا أنفسنا على سلوك خاطئ قد صدر منا  ،لكن يمكننا ان نتدارك ذلك الخطأ ،بأخذ العضة والعبرة منه ، إذا كان الخطأ من صنع ذواتنا يمكننا أن نبدأ العمل على اصلاحه ليصبح دافع ايجابي لنا نفخر بأننا استطعنا تجاوزه وصنعنا منه هدفاً في حياتنا ،وإن لم يكن الخطأ من صنع ذواتنا لكن احتوانا بسبب ظلم البشر ،فذلك ليس خطأنا لنحمله معنا ،إنما هو خطأ البشرية في حقنا ، الأذى الحاصل منهم هو مشكلتهم وليست مشكلتنا لنحمل النفس أخطاء الآخرين وتفكيرهم السلبي وظلمهم لنا !

أنت هنا مارست الظلم  بالضعف على ذاتك  ظلم البشر لك  وظلمك أنت لنفسك ،فتخيل كيف مارست بشاعة الظلم مرتين على نفسك !؟

كيف لك أن تتبنى تفكير البشر السلبي  حولك لتجعله يكبر بداخلك كطفل في رحم النفس ،أجهض  كُل تلك الأفكار السلبية قبل أن تلد النفس عشرات الأفكار السلبية بداخلك ،حتى تصل إلى مرحلة التقوقع والاكتئاب .

كل سلوك خاطئ قابل للتصحيح ، الحياة لا تؤُخذ  بالعجالة ،استرجاعك لشريط حياتك اليومي ونقدك للسلوك الخاطئ الذي ارتكبته خلال اليوم ومحاولة تصحيحه في الأيام القادمة أمر صحي و ايجابي ، أما نقدك للأمر وتحميل نفسك الخطأ حد الجلد فهو تفكير سلبي خاطئ لن يعود عليك إلا بالوبال والمرض !

بعض الأخطاء في الحياة تكون  من البشر المحيطين بنا ،تكون نتاج جهل وقلة منطق  هؤلاء الفئة من البشر يمارسون النميمة والنفاق والفتنة والغيبة والكذب وكل ما يخالف  منهج الأخلاق المحمدية الفاضلة .

فالظلم هنا يلحق بالبعض جراء تلك الفئة فأن وقع الظلم عليك  لا تبتأس حتى لا تخرج من القضية صفر ،وتحمل نفسك ما قد خرج من أفواههم حولك ظلماً وبهتاناً

ما أود ايصاله للجميع أن بعض الأمور في حياتنا تحدث لنا بدون أن يكون لنا فيها يد ، لذلك كل تلك الأمور يمكن أن تؤثر علينا سلباً ، من هنا يجب أن نتدارك الأمر ونحول تلك الطاقة السلبية التي وقعت علينا إلى طاقة ايجابية من خلال الصبر والدعاء وقراءة القرآن الكريم

النسيان أو ممارسة النسيان امر صعب وممارسة خاطئة لنسيان بعض الذكريات السيئة لأن تلك الممارسة تستدعي إعادة الحدث في ذاكرتنا من جديد

لذلك لا تمارس النسيان في حياتك ، بل امضي في حياتك ،وأجعل الماضي حافز لنجاحاتك المستقبلية .

تذكر أن معظم البشر تقف يوميا على عتبات النفس لتنقدها ، لكن النقد لا يصل إلى حد الجلد ،إنما إلى تصحيح مابدر منا من نقص أو خطأ من أجل الوقوف عليه وتصحيحه .

تذكر أننا بشر وسعينا للمثالية هو أمر غير صحي في حقنا ، ومهما ارتكبت من أخطاء في حياتك كُلها أصبحت في طي الماضي الذي لن يعود مهما فعلنا ،نحن ابناء اليوم والغد ،تفكر في يومك واسعى لإصلاح ذاتك .

وأعلم أن بداخلك طاقة كُبرى إذا آمنت بها ستتمكن من الوصول إلى مرحلة الرضا عن ذاتك

شخصيتك القوية يجب أن تتفوق على الضعف في شخصيتك الضعيفة ، ومجابهتك للأمور ببسالة تصنع منك بطلاً يستطيع مواجهة كل جيوش البشرية 

إليك هذا التكنيك النفسي الذي ينصح بها كل علماء النفس لحل مشاكلك مع ذاتك  هي التقويم السلوكي النفسي الذي يتم ممارسته يومياً

ورقة وقلم ! تصنع لكِ اللمعجزات في حياتك و،هي أفضل الحلول لذاتك لمساعدتك على التفكير المنظم والصحيح .

وقفة مع النفس يومياً لمدة ساعة من أجل تحويل تلك الأفكار السلبية بداخلك إلى أفكار ايجابية عن طريق سرد السلوك الخاطئ الذي صدر منك طوال اليوم أو الأمور الذي تزعجك وضعها في خانة التفكير السلبي ،في الخانة المقابلة الحلول ونُطلق عليها التفكير الايجابي وهي الحلول التي ستتخذها لتصحيح وتقويم ذلك السلوك الخاطئ مع ملاحظة مسح كُل الكلمات السلبية من قاموسك وهي ،لا أستطيع ، لا يمكنني ذلك، سأفعل ذلك غداً ،أنا متعب أو مستاء ،ليس لدي وقت …الخ

وضع لك قاموساً آخر ملئ بالكلمات الُمحفزة والإيجابية ،أنا أستطيع ،يمكنني أن انجز ،الأمر سهل ،أستطيع التفوق على نفسي وغيرها من الكلمات الايجابية التي تغذي الروح بالطاقة المعنوية

ممارسة الإيحاء النفسي الإيجابي يومياً  من بالأمور الجيدة يجعل النفس تتقبلها وتدمنها لتصبح عادة يومية ،والعكس صحيح .

في اليوم التالي يجب أن تكون قد أنجزت كُل الأمور التي عاهدت نفسك على تصحيحها لأن تأجيلك للأمور يعني اضافة طاقة سلبية لذاتك ،لاتؤجل عمل اليوم إلى الغد بل باشر بالإصلاح من الآن ،حتى تستطيع أن تتخلص من الطاقة السلبية في ذاتك وتحولها لطاقة ايجابية من خلال التفكير السليم وتقويم النفس اليومي.

يقول الدكتور مروان المطوع حينما تم محاورته حول النفس

"نحن أمة "هستيرية" في الحزن و "هستيرية" في الفرح لانملك الوسط ابداً في حياتنا ! "

 

بعض النقاط المهمة:

البحث عن المثالية يمكن أن تحجب الرؤيا  عن أعيننا كي لاندرك الخطأ

السلوك الخاطئ قابل للتصحيح .

الأفكار السلبية يمكن أن نحولها إلى أفكار ايجابية

الأمور السيئة في حياتنا يمكن أن تكون نقطة انطلاق لصنع مستقبلنا.

شغل النفس بالأمور المفيدة والنافعة كالقراءة والكتابة وغيرها تبعدنا عن التفكير السلبي في أمور حياتنا.

توسد الكسل ووأد الوقت لن تصنع مجدك أبداً ،فبداية المجد هي التغيير .

 

إلى أي مدى أنت تمارس محاسبة النفس ؟

شاركونا تجاربكم في صندوق التعليقات ،متمنية أن الموضوع قد راق لذائقتكم الفكرية 

5 Comments

  1. Huda
    29 أغسطس, 2013 / 9:07 ص

    ما شاء الله كلام جداً رائع , والأسلوب جدأً  جميل 

    أستفدت من كلامك .. وخصوصاً أن جلد الذات أصبحت أمارسه يومياً ولساعات طويلة في الفترة الأخيرة ,

     بسبب سلوكيات من حولي و ردود افعالهم  اتجاهي ,

    ولكن لا شيء يستحق التعب والمعاناة لتلك الدرجة لكي تضيع أيامي في التفكير.

    كل الشكر لكِ

  2. م
    7 سبتمبر, 2014 / 9:03 ص

     

    ماشاء الله الله يحفظك انا مدري كيف طحت عليك الحمدلله انا سعييبده فيك

  3. شوق
    9 نوفمبر, 2014 / 5:39 م

    ماشاء الله تبارك الله كلامك جميل الله يسعدك  وان شاء الله اطبق نفس الكلام 

  4. احلام
    23 أغسطس, 2016 / 3:51 ص

    كلامك لامس افكاري ان شاء الله ببداء بدايه للتغيير
    الله يجزاكي خير

  5. 15 مارس, 2017 / 6:51 ص

    ياجمالك وجمآل كلماتك النقيه ..من فتره قصيره تعرفت عليك وعلى مدونتك حبيتك وحبيت كلماتك وكل ماتطرحينه مواضيع قيمه جدا الله يسعدك دنيا واخره

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *